مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

مجتمع تراحمي أم تعاقدي..  ؟!


لو كان المفكر د.عبدالوهاب المسيري بيننا اليوم لقال:

"إن أخطر ما يهدد الإنسان ليس الفقر ولا الجهل، بل تآكل المعنى في حياته. فحين تتحول الصداقة إلى مصلحة، والهدية إلى ثمن، والعلاقة إلى عقد، يفقد الإنسان جوهره الذي به يكون إنسانًا.
إن المجتمعات لا تُقاس بمدى قوتها أو غناها، بل بمدى قدرتها على الاحتفاظ بدفء القلوب وسط برودة الحسابات.

وما لم نحافظ على خيوط التراحم الممتدة بيننا، سنغدو – مهما تقدّمنا – مجرد كائنات تعيش جنبًا إلى جنب، لا معًا."
لم يكن الدكتور عبد الوهاب المسيري مفكرًا يكتب من برجٍ عاجيٍّ، بل كان يكتب من تجربته الإنسانية الحية، في البيت والشارع والسفر والغربة. من هنا جاءت أطروحته البليغة حول "المجتمع التراحمي" و"المجتمع التعاقدي"، لا بوصفها تصنيفًا اجتماعيًا جامدًا، بل رؤية فلسفية عميقة تكشف عن طبيعة العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الفرد والمجتمع.
يرى المسيري أن المجتمع التراحمي هو الذي تقوم فيه العلاقات على العاطفة والمودة والمساندة، حيث يكون الرابط الإنساني أقوى من حسابات المصلحة والمنفعة. إنه مجتمع القلب، لا العقل التجاري؛ مجتمع "نحن"، لا مجتمع "أنا".

 أما المجتمع التعاقدي فهو مجتمعٌ تحكمه المصالح والاتفاقات والحدود الدقيقة بين "ما لي" و"ما عليك"، حيث تتحول العلاقة إلى معادلة تبادلية باردة: خدمةٌ تقابلها أجرة، وهديةٌ تُقاس بثمنها، وعاطفةٌ لا تتحرك إلا لحساب.
ويضرب المسيري أمثلة من الواقع المصري البسيط ليجعل الفكرة ملموسة. ففي الأفراح الشعبية، تظهر عادة "النقطة"، حين يضع الناس المال في يد العروس خفيةً، لا تفاخر فيها ولا استعراض. تلك اللمسة الإنسانية تعبير عن روح التكافل التي تحفظ تماسك المجتمع، كما أنها – بوعيٍ فطري – وسيلة لإعادة توزيع الثروة بطريقة نبيلة لا تُشعر الفقير بفقره، ولا الغني بفضله.
ويمتد التحليل ليشمل ثقافة الهدية، التي يراها المسيري مرآة دقيقة لروح المجتمع. ففي مصر، لا يُفضّ غلاف الهدية أمام مُهديها، لأن الهدية قيمة إنسانية في ذاتها، لا بما تحتويه من ثمن. أما في المجتمع الأمريكي، فقد لاحظ أن العُرف يقتضي فتحها فورًا وإبداء الإعجاب بمحتواها، وكأن قيمة الهدية تُستمد من حجمها أو سعرها، لا من معناها. وهكذا تتحول الهدية – في نظره – من رمز تراحمي إلى معاملة تعاقدية.
ولا يقف المسيري عند المشاهد الاجتماعية، بل يعيش الفكرة في حياته اليومية. فقد حكى عن تجربته في السعودية مع عامله المصري الذي كان ينظف منزله كل أسبوع، وكان هذا العامل يصرّ بين الحين والآخر أن يقول له عند تقاضي الأجر: "بلاش يا بيه، خليها عليّ المرة دي."

يقول المسيري: لم تكن تلك العبارة مجاملة، بل إعلانًا إنسانيًا خفيًا: "برغم أنني أعمل عندك، فإننا متساويان في إنسانيتنا، ويجب أن تجمعنا لحظة تراحم تتجاوز علاقة الأجر والخدمة."

ولتحقيق هذا التوازن الإنساني، كان المسيري يتعمد أحيانًا أن يقول للعامل إنه لا يملك النقود الآن، مؤجّلًا الدفع للأسبوع التالي، ليمنحه لحظة أن يكون "الدائن"، فيتحقق التساوي بينهما في أرقى صوره.
بهذا الحس الإنساني العميق، استطاع المسيري أن يحول الفلسفة إلى تجربة معيشة، والنظرية إلى سلوكٍ يومي. فقد أدرك أن المجتمعات لا تُقاس بمدى تطورها المادي فقط، بل بقدر ما تحتفظ به من دفءٍ إنساني وتراحمٍ فطري يجعلها قابلة للحياة.
وفي زمنٍ يتسارع فيه كل شيء نحو "التعاقد"، ويُختزل الإنسان إلى رقمٍ في معادلة، يعيد المسيري تذكيرنا بأن بقاء المجتمع مرهون بقدر ما فيه من تراحم، وأن القيم التي تبدو بسيطة – كهديةٍ بلا ثمنٍ، أو كلمةٍ من عاملٍ بسيط – قد تكون هي آخر ما يحمي إنسانيتنا من الذوبان في عالمٍ بارد لا يسمع إلا صوت المصلحة.
ومن نافلة القول أن المفكر عبد الوهاب المسيري (1938 – 2008م) هو واحد من أبرز المفكرين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، عُرف بعمق فكره، واتساع ثقافته، وقدرته على قراءة الظواهر الاجتماعية والسياسية والفكرية من منظور إنساني وفلسفي شامل.

كان مشروعه الفكري من أكثر المشاريع تماسكًا ونضجًا في الفكر العربي الحديث، وقد سعى فيه إلى فهم العالم المعاصر – خصوصًا الظاهرة الصهيونية والحداثة الغربية – من زاوية إنسانية وحضارية لا مادية.
وُلد عبد الوهاب المسيري في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة في مصر عام 1938م، في أسرة متوسطة تقليدية تتسم بالبساطة والتدين الشعبي. تأثر في طفولته بطبيعة المجتمع المصري التراحمي، وهو ما انعكس لاحقًا في أطروحاته حول "المجتمع التراحمي" و"المجتمع التعاقدي".
تخرج في كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الإسكندرية عام 1959، ثم حصل على منحة للدراسة في الولايات المتحدة، فحصل على درجة الماجستير من جامعة كولومبيا، ثم الدكتوراه من جامعة راتجرز عام 1969م.

كانت تجربته في أمريكا نقطة تحوّل فكرية كبرى؛ فقد رأى بعينيه صورة المجتمع الغربي المادي، مما جعله يعيد النظر في كثير من القيم والمفاهيم التي تشكّل الوعي الإنساني الحديث.
عمل د عبدالوهاب المسيري أستاذًا للغة الإنجليزية وآدابها في عدد من الجامعات المصرية والعربية (منها جامعات عين شمس، الملك سعود، الكويت، والجامعة الإسلامية بماليزيا).

لكن اهتمامه تجاوز الأدب إلى الفلسفة والاجتماع والفكر الحضاري، فكرّس جهده لتفسير الحداثة الغربية ومآلاتها، ومحاولة صياغة نموذج تفسيري مغاير للظواهر الإنسانية يقوم على البعد الأخلاقي والروحي، لا المادي فقط.
يُعد مشروعه الفكري الأضخم هو موسوعته الشهيرة:
«اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد» التي صدرت في ثمانية مجلدات.
 قدّم فيها رؤية تحليلية نقدية للظاهرة الصهيونية من منظور إنساني حضاري، رافضًا التفسيرات التبسيطية المادية، ومؤكدًا أن الصهيونية ليست مجرد حركة سياسية، بل نتاجا لمنظومة فكرية غربية مادية تفصل الإنسان عن القيم.
المفكر عبد الوهاب المسيري (1938 – 2008م) هو واحد من أبرز المفكرين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، عُرف بعمق فكره، واتساع ثقافته، وقدرته على قراءة الظواهر الاجتماعية والسياسية والفكرية من منظور إنساني وفلسفي شامل.

كان مشروعه الفكري من أكثر المشاريع تماسكًا ونضجًا في الفكر العربي الحديث، وقد سعى فيه إلى فهم العالم المعاصر – خصوصًا الظاهرة الصهيونية والحداثة الغربية – من زاوية إنسانية وحضارية لا مادية.
توفي في 3 يوليو 2008م بعد صراع مع المرض، وشيّعه عدد كبير من المثقفين والطلاب والمحبين.

وظل فكره حاضرًا في الجامعات والمراكز البحثية، إذ يمثل أحد أهم المفاتيح لفهم العلاقة بين الفكر الغربي الحديث والهوية الإنسانية في العالم العربي.